محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )

168

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

موجود بالمرة ، والعمومُ غيرُ صريح ، فإن السَّيِّد أقر أن الآيةَ في معنى العموم . ومثالُ ذلك أن الرجلَ لو قال لغيره : وكَّلْتُكَ أن تشتري لحماً بهذه الدراهمِ ، وكان العُرف السابقُ إلى الأفهام في بلدهم أن المرادَ باللحم لحمُ البقر والغنم ونحوها من الأنعام ، فشرى له لحمَ حوتٍ أو صيدٍ أو طيرٍ ، أو لحمَ ضَبُعٍ أو ثعلبٍ إن كانوا يَرَوْنَ جَوازَ ذلك وغير ذلك ، وكذا لو وَكَّلَه أن يشتريَ له حَبّاً والعُرَف معهم في الحَبِّ للبُر والشعير ، فاشترى له دُخناً أو نحوه ، وكذا لو باعَ منه ثوبَه بمدٍّ أو صاع ، ولم يُعين أيَّ نوع ، انصرف إلى العُرف ، كما في زماننا : لو أقر بزبدي ( 1 ) لم يكن زبدي حلبةٍ ولا ملح ولا حِلْف ( 2 ) ولا نحو ذلك ، إذا تقرر هذا ، فقد قال بعضُ العلماء : إن لفظَ النبي - صلى الله عليه وسلم - كذلك لا يتناولُ إلا الموجوداتِ المستعملاتِ ، وكأن هذا ذهب إلى أن استعمالَ اللفظ في الموجود المستعمل كثيراً قد صار عرفاً ، وطَرَّد الباب وهذا صحيح إذا صحت هذه القاعدة ، فإنه لا خلاف أن الشيء - إذا كان له حقيقتان عُرفية ولُغوية - إن العُرفية هي المعمولُ عليها ، المصروفُ إليها كلامُ الله تعالى ، وكلام رسوله عليه السلام . إذا تَقرَّرَ هذا فاعلم أن المتأوِّلين في زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالنظر إلى الفُساقِ كلحم الصيد والطيرِ بالنظر إلى اللحوم المستعملة ، بل لحمُ الصيد والطير أعرفُ في زماننا ، لأنَّه موجود كثير ، ولكن استعمال غيره أكثرُ ، فكان حملُ اللفظ على الأكثر هو الواجب ، فكيف والمتأوِّل معدوم في زمانه - صلى الله عليه وسلم - وقتَ نزولِ هذه الآية ؟ أليس يكونُ حملُ اللفظ على الموجود دونَ

--> ( 1 ) الزبدي : مكيال كان مستعملاً في عصر الدولة الرسولية . ( 2 ) والحلف : نوع من التوابل .